فخر الدين الرازي
113
تفسير الرازي
عن حقه وماله بالظلم والثاني : ترك المواساة معه ، وإن لم تكن المواساة واجبة . وقد يذم المرء بترك النوافل لا سيما إذا أسند إلى النفاق وعدم الدين والثالث : يزجره ويضربه ويستخف به ، وقرئ يدع أي يتركه ، ولا يدعوه بدعوة ، أي يدعوا جميع الأجانب ويترك اليتيم مع أنه عليه الصلاة والسلام قال : " ما من مائدة أعظم من مائدة عليها يتيم " وقرئ يدعو اليتيم أي يدعوه رياء ثم لا يطعمه وإنما يدعوه استخداماً أو قهراً أو استطالة . واعلم أن في قوله : * ( يدع ) * بالتشديد فائدة ، وهي أن يدع بالتشديد معناه أنه يعتاد ذلك فلا يتناول الوعيد من وجد منه ذلك وندم عليه ، ومثله قوله تعالى : * ( الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم ) * سمى ذنب المؤمن لمماً لأنه كالطيف والخيال يطرأ ولا يبقى ، لأن المؤمن كما يفرغ من الذنب يندم ، إنما المكذب هو الذي يصر على الذنب . أما قوله : * ( ولا يحض على طعام المسكين ) * ففيه وجهان أحدهما : أنه لا يحض نفسه على طعام المسكين وإضافة الطعام إلى المسكين تدل على أن ذلك الطعام حق المسكين ، فكأنه منه المسكين مما هو حقه ، وذلك يدل على نهاية بخله وقساوة قلبه وخساسة طبعه والثاني : لا يحض غيره على إطعام ذلك المسكين بسبب أنه لا يتقد في ذلك الفعل ثواباً ، والحاصل أنه تعالى جعل علم التكذيب بالقيامة الإقدام على إيذاء الضعيف ومنع المعروف ، يعني أنه لو آمن بالجزاء وأيقن بالوعيد لما صدر عنه ذلك ، فموضع الذنب هو التكذيب بالقيامة ، وههنا سؤالان : السؤال الأول : أليس قد لا يحض المرء في كثير من الأحوال ولا يكون آثماً ؟ الجواب : لأنه غيره ينوب منابه أو لأنه لا يقبل قوله أو لمفسدة أخرى يتوقعها ، أما ههنا فذكر أنه لا يفعل ذلك ( إلا ) لما أنه مكذب بالدين . السؤال الثاني : لم لم يقل : ولا يطعم المسكين ؟ والجواب : إذا منع اليتيم حقه فكيف يطعم المسكين من مال نفسه ، بل هو بخيل من مال غيره ، وهذا هو النهاية في الخسة ، فلأن يكون بخيلاً بمال نفسه أولى ، وضده في مدح المؤمنين : * ( وتواصوا بالمرحمة ، وتواصوا بالحق ، وتواصوا بالصبر ) * . * ( فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ ) * . ثم قال تعالى : * ( فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : في كيفية اتصال هذه الآية بما قبلها وجوه أحدها : أنه لا يفعل إيذاء اليتيم والمنع من الإطعام دليلاً على النفاق فالصلاة لا مع الخضوع والخضوع أولى أن تدل على النفاق ، لأن الإيذاء والمنع من النفع معاملة مع المخلوق ، أما الصلاة فإنها خدمة للخالق ، وثانيها : كأنه لما ذكر إيذاء اليتيم وتركه للحض كأن سائلاً قال : أليس إن الصلاة تنهي عن الفحشاء والمنكر ؟ فقال له : الصلاة كيف تنهاه عن هذا الفعل المنكر وهي مصنوعة من عين الرياء